عبد الملك الجويني

307

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومما احتجوا به ما روى البراء ابنُ عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما أكل لحمه ، فلا بأس ببوله " ( 1 ) وهذا يعسُر تأويلُه حملاً على المداوة ؛ فإنَّ جواز ذلك لا يختص بما يؤكل ، ولكن أقرب مسلك فيه ، أنه صلى الله عليه وسلم بيَّن أنه لا ينفع شيء من الأبوال ، إلا بول ما يؤكل لحمه ، والعلم عند الله . 1077 - ثم لا فرق عندنا في التنجيس بين ذرق الطيور ورجيع الحيوانات ومذهب أبي حنيفة معروف في ذرق الحمام وغيرها ( 2 ) ، واختلاف أئمتنا معروف في خُرء السمك والجراد ، وكلِّ شيء يخرج منهما ، وسبب هذا الاختلاف أنها مستحَلّة الميتات ، فإذا فارقت الحيواناتِ في هذه الجهة ، ظهر الخلاف فيما ذكرناه . وذكر الصيدلاني وغيره : إنا إذا حكمنا بطهارة ميتات ما ليس لها نفس سائلة ، فهل نحكم بطهارة هذه الأشياء منها ؟ فعلى وجهين ، وهذا أبعد عندي مما ذكرناه في السمك والجراد ؛ فإن ميتات هذه الأشياء لا تحل ، وإذا حكمنا بأن الآدمي لا ينجس بالموت ، لم يقتض ذلك الحكمَ بطهارة فضلاته ، ولكن الفرق واضح ؛ فإن سبب الحكم بطهارة ما ليس له نفس سائلة أنها إذا ماتت لا تفسد ، بل تعود كأنها جمادات ، والآدمي بخلاف ذلك ، فإنه ينتن إذا مات ويفسد ، وسبب الحكم بطهارته ما يتعلق به من تعبُّد الغُسل والحرمة ، ولا يظهر في تنجس فضلاته ما يخالف موجَب الحرمة . واختلاف الأئمة في فضلات بدن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد سبق ذكره في كتاب الطهارة . فهذا تمهيد القول فيما يستحيل في الحيوانات . 1078 - ونذكر الآن ما استثناه الشرع ، فنقول أما ألبان الحيوانات المأكولات اللحوم ، فلا شك في حلها وطهارتها ، وذلك عندي في حكم الرخص ؛ فإن الحاجة

--> = والذرَب : داء يعرض للمعدة ، فلا تهضم الطعام ، ويفسد فيها ولا تمسكه ( المعجم ) . ( 1 ) حديث البراء بن عازب ، رواه الدارقطني بلفظ : " لا بأس ببول ما أكل لحمه " ورواه عن جابر باللفظ الذي ساقه به إمام الحرمين . قال الحافظ : " وإسناد كل منهما ضعيفٌ جداً " ( ر . التلخيص : 1 / 43 ح 37 ) . ( 2 ) ر . البدائع : 1 / 76 ، حاشية ابن عابدين : 1 / 213 ، 214 .